أبي منصور الماتريدي

617

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقيل : كل عمل عملوه أرادوا به غير وجه الله ، كان ذلك عليهم حسرة يوم القيامة . وقيل « 1 » : أعمالهم التي عملوها في الدنيا تصير حسرات عليهم حين يرفع الله لهم الجنة ، فينظرون إلى مساكنهم التي كانت لهم ، وبأسمائهم لغيرهم ، وبأسماء غيرهم لهم . قال : وهذا عندي لا يصح أن يجعل الله لأحد نصيبا في الجنة ثم يحرمه ، ولكن هذا على أصل الوعد - وعد من أطاع الله الجنة ، ومن عصاه النار - فهو على أن هؤلاء لو أطاعوا كان لهم نصيبا في الجنة ، وهؤلاء لو عصوا كان لهم نصيبا في النار . أو يكون ذكر النصيب لهؤلاء في الجنة هو الذي ادعوه لأنفسهم كما قالوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] فيحرمون ونورث عنهم ما ذكروا أنه لهم في الجنة ؛ كما قال الله تعالى : كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً [ مريم : 79 - 80 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 168 إلى 169 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 ) وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ قيل فيه بوجوه : قيل « 2 » : إنهم كانوا يحرمون التناول من أشياء والانتفاع من نحو البحائر ، والسوائب ، والوصائل ، والحوامى ، فيقولون : حرم الانتفاع بها ؛ فأنزل الله تعالى فقال : كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وانتفعوا بها ؛ فإن الله لم يحرمها عليكم ، كقوله : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ المائدة : 103 ] . وقيل : خلق في الأرض ما هو حلال وما هو حرام ؛ فأباح التناول من الحلال ونهى عن الحرام . وقيل : إن قوما يحرمون التناول من الرفيع من الطعام والرفيع من الملبوس ، ويتناولون من الدرن والرثة ، فنهوا عن ذلك . ولا يحتمل أن يراد بالطيبات الحلال منها ، ولكن ما تطيب النفس من التناول ؛ لأن

--> ( 1 ) قاله السدى ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2442 ) ، وانظر تفسير البغوي ( 1 / 137 ) . ( 2 ) قاله ابن جرير بنحوه ( 2 / 80 ) ، والبغوي ( 1 / 138 ) .